محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
109
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
وكما أخذ اللّه تعالى على العلماء أن لا يكتموا العلم عن أهله ، كذلك أخذ عليهم أن يصونوه عن غير أهله ، فمن لا يسلك هذا المسلك فهو جاهل . وأما التعبير لكل مشهود ؛ فلأن فيه نوعا من إفشاء السرّ الذي يجب كتمه . وقد قالوا : « في قلوب الأحرار قبور الأسرار » والسر أمانة اللّه تعالى عند العبد ؛ فإفشاؤه بالتعبير عنه خيانة ، واللّه تعالى لا يحب الخائنين ، وأيضا ، فإن الأمور المشهودة لا يستعمل فيها الإشارة والإيماء « 1 » ، واستعمال العبارات فيها إفصاح بها وإشهار لها ، وفي ذلك ابتذالها وإذاعتها ، ثم إن العبارة عنها لا تزيدها إلّا غموضا وانغلاقا ، لأن الأمور الذوقيّة يستحيل إدراك حقائقها بالعبارات النطقية ، فيؤدي ذلك إلى الإنكار والقدح في علوم السادة الأخيار ، قال أبو علي الروذباري « 2 » ، رضي اللّه تعالى عنه ، « علمنا هذا إشارة فإذا صار عبارة خفي » وأما الذكر لكل معلوم فلعدم تفريقه بين المعلومات ، وقد يكون له علم يختص به ، فإذا ذكره لغيره استغربه وإن كان ينتفع به هو ؛ فعدم تفريقه بين المعلومات في ذكرها من وجود جهله . إنما جعل الدار الآخرة محلا لجزاء عباده المؤمنين لأن هذه الدار لا تسع ما يريد أن يعطيهم ، ولأنه أجلّ أقدارهم عن أن يجازيهم في دار لا بقاء لها . إنما جعل ثواب المؤمنين في الدار الآخرة فيما ظهر لنا لوجهين : أحدهما : أن الدنيا لا تسع ما يريد أن يعطيهم من أنواع النعيم حسا ومعنى أما الحسّ ، فلأن الدنيا متدانية المسافات ، ضيّقة الأقطار ، ويعطي اللّه تعالى لآحاد المؤمنين في الدار الآخرة في ملك واحد منهم - كم ورد في الخبر - مسيرة خمسمائة عام ، فما ظنّك بخواصهم ، فتضيق لا محالة مسافة الدنيا عن كلية جزائهم ، وأما المعنى ، فلأن الدنيا موسومة بالدناءة والنقص ، والخساسة والحقارة والأشياء التي يتنعّم بها أهل الجنّة أمور شريفة رفيعة ، كما جاء في الأخبار : إن موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها ، وإن نور سوار حوراء يطمس نور الشمس ، وما أشبه هذا ، ويكفي في ذلك قوله عزّ من قائل : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [ السجدة : 17 ] وقول النبي صلى اللّه عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عزّ وجل : « أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » « 3 » .
--> ( 1 ) الإيماء : الإشارة . ( 2 ) هو أبو علي أحمد بن محمد الروذباري ( توفي 322 ه / 934 م ) بغدادي أقام بمصر ومات فيها . صحب الجنيد والنوري وابن الجلاء والطبقة ، وكان أعلم المشايخ في الطريقة . ( الرسالة القشيرية ص 416 ) . ( 3 ) أخرجه أحمد بن حنبل في ( المسند 2 / 438 ) ، والمنذري في ( الترغيب والترهيب 4 / 521 - 557 ) ، والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 8 / 568 ، 10 / 535 ، 550 ) ، وابن حجر في ( الكاف -